هامش على جائزة قاسم حداد السعوديّة: الكبير متى سيكبر؟

سبتمبر 25, 2016 الساعة 9:50 م | أرسلت فى Opinion | 2 تعليقان
قاسم حداد: ليس جائعاً ولا يتعفف عن الجثث

قاسم حداد: الكبير متى سيكبر؟

تلقيت لوماً بشأن “بوست” كتبته في فايسبوك ينتقد قبول الشاعر قاسم حداد جائزة سعودية. والحق أن قاسم صديق؛ لكنني لن أجامله كما يفعل معه كثيرون ويغتابونه راء ظهره. عملت في الصحافة البحرينية 8 سنوات ولم أقرأ نقداً واحداً له أو حول ما يكتب أو يعبر عنه؛ أو حتى حول شعره في الصّحافة المطبوعة. عدا من يمجده ويكيل له المديح مبتدئاً رطانته بعبارات عبيطة مثل “الجميل قاسم” و”شاعرنا الجميل” مما يختصر لك ببساطة نوع الردح العالي الذي سيليها، فإن قاسم يبدو فوق أيّ نقد.

يساعد على ذلك أن قاسم دائماً ما أحاط نفسه بنوع من الهالة الزائفة تظهره في موقع المترفع على نقاشات “الحواري”. أتذكر في هذا السياق أنني هاتفته ذات مرّة بتكليف من رئيس تحرير “الوقت” مستوضحاً حول مغزى توقيعه على بيان أثناء فترة إقامته الألمانية يعلن دعم وزيرة الإعلام مي محمد الخليفة. وكذلك جرجرة أناس آخرين للتوقيع عليه مثل أدونيس ومارسيل خليفة. كان بياناً تافهاً بلا مناسبة صيغ للتزلف. لم يكن ثمة حدث عام أو طاريء يستدعيه.

كان رد قاسم: ليس لديّ ما أضيفه على المكتوب في البيان. رد مثل هذا يغلق عليك الباب ببساطة. لن يمكّنك قاسم من مساءلته على أرض لا يريدها. سيستثمر ضمناً في هالته وستفهم أنك لا يمكن أن تذهب معه أبعد من هذا الحد.

على هذا يمكنك ملاحظة مثلاً أن معظم مواقفه التي عبّر عنها حول ما يحصل في البحرين، والتي لقي عليها الاحتفاء من جماعات السلطة حصراً، صرّح بها لمواقع أو صحف أو في مناسبات خارجيّة. وجرى سؤاله من أناس متخففين من إسار هالته. أما في البحرين فلا يجرؤ أحد ببساطة على سؤاله أو إدارة حوار معه من هذا النوع وإعداده للنشر. وإذا تجرأ وسأل فسيفهمه قاسم بالقوّة الناعمة كيف يغلق فمه.

كان قاسم مستغرباً لسؤالي إياه عن سبب وجود أسماء مثقفين عرب على بيان دعم يتعلق بكيفية إدارة أميرة بحرينية لمنصب حكوميّ في وجه انتقادات محلية توجه لها. عنده ما عادت ثمة جدوى اليوم من الحديث عن حدود أو محلّي وخارجي. لكننا نعلم أن حدود قاسم هي ميّ آل خليفة.

فصاحب هذه القناعة هو نفسه الذي رفض وما يزال التوقيع على كل العرائض والمناشدات التي دعي لها من أجل رفع المنع عن كتب الأدباء البحرينيين زملائه. “أنا لا أوقع على بيانات”.

هكذا يحمي قاسم نفسه من الخوض في المستنقع. وهكذا تظل كل تماسّات الإعلام البحريني معه من النوع الذي أسماه طرابيشي “حواراً بلا حوار” عند وصفه للعلاقة التي ربطته بالجابري. وصلات طويلة من الرّدح الطويل الممل الذي لا يقول أي شيء. اترك عنك النقد الأدبي المحلي فحاله حال قول حسان بن ثابت “جسمُ البغال وأحلام العصافير”!

لا يمكن سؤال قاسم أسئلة صعبة ببساطة. ولا حتى أسئلة سهلة من هذا النوع: ما موقفك من قضية حقوق الإنسان في بلادك؟ سيفضّل المداورة على ذلك بنوع من النثر العامي الموغل في الشعرنة الذي يحلو له به هجاء سوء مؤسسة الحكم العربي الحديث كذاك الذي يمكن أن تقرأه في مقالته “شواقيل النتائج والأسباب“. كما لو أنه يكتشف للتوّ كروية الأرض!

لكن حقاً إذا كانت مؤسسة الحكم العربي سيئة إلى هذا الحد لماذا يلهث قاسم وراء جوائزها ومهرجاناتها؟ شاعر في طول وعرض قاسم ألا يخجل من نفسه حين تقوم وزيرة الثقافة باستخدامه لشغل رئاسة لجنة صغيرة للشعر يمكن أن يوكل لها أي شاعر شاب في مهرجان تنظمه الوزارة 2012!

في العام 2004 منحت وزارة الإعلام قاسم جائزتيّ المركز الأول للتميز في فرعين مختلفين بمسابقة واحدة لنفس السنة. وهذه كوميديا هزلية لا يمكن أن تحصل إلا في دولة ينخر فيها الفساد كالبحرين. إحدى الجائزتين كانت عن فرع “العلوم الإنسانية” لرواية عبارة عن سيرة ذاتية. وقد فُوّزت على كتاب ضخم ومهم لا شبهة على الإطلاق في انتسابه لمجال العلوم الإنسانية، وهو كتاب نادر كاظم “تمثيلات الآخر: صورة السود في المتخيل العربي الوسيط”.

كان الأمر مضحكاً جداً. لكن يومها عللت لجنة التحكيم قرارها بكلام أشدّ إضحاكاً من منحه جائزتين دفعة واحدة كالقول: إن سيرة قاسم ليست رواية فقط ولا هي نثراً فقط بل أنثروبولوجيا وعلم اجتماع وبتاع كلو!

العام 2008 أعيد تتويج قاسم كالعادة في المركز الأول عن فرع “الشعر” على شاعرين في عمر أولاده حلاّ بعده الثاني فالثالث، وضحى المسجن فمهدي سلمان على التوالي. ولو استمرت الجائزة لاستمرّ قاسم يفوز بها مرة في كل دورة. بصدق، ألم يكن يعتري قاسم أيّ نوع من الخجل من منافسة شباب عشرينيين يكبر عليهم سناً مرتين على الأقل، على جوائز “الكلَكْ” أبو ألف وخمسمائة دينار! الكبير متى سيكبر؟

“الشاعر الجميل” المستثنى من النقد وكل جيله السبعيني الكهل المعشعش في المناصب والمتحكّم بأقدار الثقافة متى سيترجّل ويترك للأجيال الجديدة أن تأخذ فرصتها وللحياة أن تدور!؟ يعترف قاسم في مقال حديث بأنه يكاد يصبح “عرضةً للاستبدال بوصفنا تراثا رثا لأحفاد لا تُحتمل صرامتهم”. وأقول جيّد أنه وصل لهذه النتيجة. لكنها نتيجة بلا أيّ معنى ما دام وجيله يواصلون اللّعب عن الأحفاد لعبتهم. 

في مطلع العام المنصرم ومع بدء حربه على اليمن دسّ الملك السعودي سلمان هبات مالية عبارة عن 10 ملايين ريال في جيب كل نادي ثقافي. أحد هذه النوادي هو نادي الطائف الأدبي الذي أعلن هذا الشهر عن منحه قاسم جائزة قيمتها 100 ألف ريال سعودي عن مجمل إنتاجه الأدبي “جائزة الشاعر محمد الثبيتي”. الأهبل يعرف مغزى هذا النوع من الهبات في مثل هذا التوقيت. الوحيد الذي لا يعرف هو قاسم حداد. ليس جائعاً ولا يتعفف عن الجثث!

| #معجم_14_فبراير: شكراً لكم «1»

أكتوبر 17, 2012 الساعة 2:54 م | أرسلت فى Profile | تعليق واحد

 

شكراً لكم: هتاف استخدمه نشطاء 14 فبراير (شباط) لإزجاء التحايا والعرفان إلى الفئات المهنية التي ساندتهم، وخاصة الأطباء والمسعفين والممرضين. ويتم نطقه بعد تنغيمه وفقاً للكيفيّة التالية: «شُكْ/رَنْ/لكُمْ». وهو عبارة عن جملة موسيقية كاملة.

هناك اتفاق على أنه استخدم أول مرّة لتحية الكوادر الطبية حصراً، على جهودهم في إسعاف المصابين فيما عُرف بيوم الخميس الدامي17 فبراير (شباط) الذي صادف قيام قوات الشرطة البحرينية باقتحام دوار اللؤلؤة، وسط العاصمة المنامة. وهي العملية التي أسفرت عن وقوع 3 قتلى في الأقل، إضافة إلى عشرات المصابين.

وقام الأطباء بعصيان أوامر وزير الصحة آنذاك فيصل يعقوب الحمر الذي تتوافر روايات مقنعة أنه أصدر قراراً بعدم علاج المصابين.

بعد ثلاثة أيام من ذلك في مساء يوم 18 فبراير (شباط)، أعاد المعارضون محاولتهم الاستيلاء على دوار اللؤلؤة والتمركز فيه في ختام عزاء الشاب علي مشيمع، أول ضحايا ثورة 14 فبراير (شباط). ولم تنجح المحاولة حيث سقطت ضحية أخرى برصاص الجيش البحريني، وهو رضا بوحميد.

لكنهم تمكنوا من ذلك بعد ثلاثة أيام، في 21 فبراير (شباط) إثر تعهدات من ولي عهد البحرين أمام التلفزيون بالسماح لهم.

ولدى وصول أعضاء الكادر الطبي الذين حرصوا على المشاركة بزيّهم الرسمي الأبيض إلى منصّة الدوّار، هتف المتظاهرون: «شُكْراً لكم»، بالكيفيّة الإيقاعية التي تمّ شرحها.

ثمة رأي آخر يقول إن الهتاف استخدم في المرة الأولى لتحية استشاريّ جراحة العظام الدكتور علي العكري (45 عاماً) تحديداً، والذي كان يدير خيمة طبيّة في الدوّار بمعيّة أطبّاء آخرين، وقد صادف قيام قوات الأمن باقتحام الدوّار الأوّل فجر يوم الخميس، صادف وجوده على النوبة، ما عرّضه ذلك للضرب.

ومنذ هذا التوقيت تحول هذا الهتاف إلى أحد الشعارات التي يستخدمها نشطاء 14 فبراير (شباط) بشكل مستمر حين يريدون تكريم شخصية أو شريحة معينة لمواقفها في خلال الأحداث.

وقد توسّع ليشمل استخدامه كامل الفئات المهنية الأخرى كالمحامين والرياضيين والمعلمين والإعلامين والطلبة، مع بدء تسيير المسيرات التخصصية. كما صار يُستخدم للدعابة أيضاً، بل كثيراً ما استُخدم لذلك.

| أشبهت اللّيلة البارحة!

أكتوبر 16, 2012 الساعة 3:59 م | أرسلت فى Pictures | أضف تعليقاً

عثرتُ على هذا المقال لعميد الصحافة البحرينية علي سيار، فيما كنتُ أتصفّح ملفّاً ضخما للصّحافة في الخمسينات. المقال نشر في صحيفة «الوطن» التي ترأس تحريرها (1954)، وعبّرت عن لسان حال هيئة الاتحاد الوطني، ثم انتهت بانتهائها. حيث سُفّر سيّار إلى الكويت، وزعماء الهيئة الأربعة إلى «سانت هيلانة».

المقال يعبّر عن واحدة من مفارقات مجتمعنا. وفيه نلمس لوعة سيّار إزاء مدرّس عربي ألقى قصيدة في مجلس حاكم البحرين آنذاك سلمان بن حمد بن عيسى آل خليفة، وأعمل فيها السب والشتم في حق قيادات الهيئة، المرحومين عبدالرحمن الباكر وعبدالعزيز الشملان.

يقول سيّار إنه اضطرّ أن «يضغط على أعصابه» حين سمع بما قاله «ذلك الرجل الدنيء أمام حضرة صاحب العظمة ليسبّ هذا الشعب المكافح المناضل، وليشتم زعماءه وقادته في قصيدة ركيكة قذرة». وزاد واصفاً إياه بـ«النذالة» و«السفالة» و«الانحطاط» و«التملق» و«القذارة» و«الصوت الناشز» و«الدنيء» و«الرخيص»، وكل الموضوع بين مزدوجتين له.

هذه كلمات أحد أبرز معتنقي الفكر القومي في البحرين والخليج ومؤسسّي الصحافة عندنا، أضعها هنا، وآمل أن تصل إلى مَن يجري توظيفهم اليوم للعب نفس الدّور، وأعرف منهم من يتبرّع من تلقاء نفسه، فالقضية «تربّح».

وأقول ما أوسع صدر ثوّار 14 فبراير (شباط)، وحلمهم، فهم مُحرّم عليهم حتى أن  يقولوا للكلب يا كلب، وللمرتزقة الأجانب الذين يضربونهم وأهاليهم، يا «مرتزقة». فكم عليهم أن «يضغطوا على أعصابهم»، وهم يقرأون كل يوم في الصحافة من يشتمهم ويسبّ  زعماءهم وقياداتهم!

«أمر يدعو إلى أكثر من الدهشة وأكثر من الاستغراب. أمر لا أجد ما أصفه به إلا أنها نذالة وسفالة وانحطاط وتملق رخيص واستجداء ذليل، شيء لا يصدر إلا عن نفس مريضة لا تعرف معنى الكرامة ولا تعرف معنى عزة النفس.

أما في هذه المناسبة بالذات فسأكتب – وأنا أضغط أعصابي – عن ذلك الرجل الدنيء الذي وقف ذات يوم أمام حضرة صاحب العظمة ليسبّ هذا الشعب المكافح المناضل. وليشتم زعماءه وقادته في قصيدة ركيكة قذرة، وليقبض بعد ذلك المكافأة التي يستحقها.

ali sayyar

ويقولون إن هذا الرجل لبناني، وأكثر من ذلك يقولون عنه بأنه مدرس في معارف حكومة البحرين، يدرس أبناءنا ويثقف عقولهم ويفتتح لهم طريق الحياة.

إن اللبنانيين إخواننا وأحبابنا لأنهم عرب مثلنا، ولأنهم جزء من كيان الأمة العربية، ولأنهم خاضوا ذات يوم ثورة دامية من أجل تحرير بلادهم، ومن أجل رفع أغلال العبودية والاسترقاق عن كواهلهم.

وليس بعجيب والأمر كذلك أن نحبهم ويحبوننا، وليس بغريب أن نجد فيهم الكثير من أصدقائنا، ولكن الغريب أن يرتفع من بينهم صوت ناشز يسب ويلعن.

إنه لا يلعن الاستعمار، ولا يسب اليهود ولا يشتم الرجعية، ولكنه يسبنا في وضح النهار، ويشتم قادتنا وزعماءنا، ويسمي هذا الشعب، شعب البحرين الذين استضافه، يسميه غبياً أبلهاً لأنه ارتضى للشملان أن يقوده.. وللباكر أن يمسك بقياده.

وأمام من كان يقول هذا الكلام؟ أمام صاحب العظمة الذي يحكم هذا الشعب.

لقد كنا نفخر بهذه الشتيمة وهذا السباب لو جاءنا من تل أبيب، أو جاءنا من أبواق الاستعمار؛ أما أن نشتم في أرضنا وأمام حاكمنا من قبل شخص عربي المفروض فيه أن يكون عوناً لنا على الاستعمار، وعوناً لنا على الرجعية، فأمر يدعو إلى أكثر من الدهشة وأكثر من الاستغراب.

أمر لا أجد ما أصفه به إلا أنها نذالة وسفالة وانحطاط وتملق رخيص واستجداء ذليل، شيء لا يصدر إلا عن نفس مريضة لا تعرف معنى الكرامة ولا تعرف معنى عزة النفس.

إنني لن أضيف شيئاً إلى ذلك ولكنني سأرقب وأنتظر، سأرقب ماذا سيعمل إخواننا اللبنانيون الذين يعيشون بيننا في سلام ووئام، والذين نكن لهم في قلوبنا ما يكنه الأخ لأخيه والصديق لصديقه. إن منهم الكثير من أصدقائي وإخواني، ولذلك سأنتظر ماذا يقوله هؤلاء الأصدقاء والإخوان.

وهمسة أخيرة: إن لبنان لم يبعث هؤلاء المدرسين إلينا ليسبوننا أمام حاكمنا، ولكنه يبعثهم ليثقفوا أبناءنا ويلعموهم. إذا كان هذا هو مقدار العلم الذي اكتسبوه، فإن لنا كلمة أخرى، وأنا في انتظار تعليق أصدقائي اللبنانيين».

– علي سيار 

عمود «نقاط فوق الحروف»

صحيفة «الوطن» ، 1954

| «مستلقي» وأخواتها «2»

أكتوبر 15, 2012 الساعة 7:36 م | أرسلت فى Opinion | 3 تعليقات

زعمتُ  مرّة أن «جحا» يعمل لدى وزارة الداخلية، وكان هذا تعقيباً على ضرب رجالها الحقوقي نبيل رجب وخطفه من إحدى المسيرات. فهي أرادت تبرير ذلك فأخرجت بياناً مسخرة يقول إن رجالها وجدوه «مستلق» فقاموا بنقله إلى المستشفى.

البيان نشر في 6 يناير (كانون الثاني) من هذا العام، فاستهجنه الشباب، ووجدوا فيه مادّة للضحك فلم يفوّتوه. وهم كتبوا وجعلوا الوزارة أضحوكة، ما اضطرّها إلى نشر فيديو صوّرته، وأظهر رجالها وهم يقومون فعلاً بنقل رجب إلى المستشفى. فاعتبرت ذلك إثباتاً لكلامها.

وقد خرج الأخير بعد حواليّ ساعتين مكثهما في السلمانيّة، فتحدّى «الداخلية» أن تعيد نشر الفيديو من دون اقتطاع الصوت، وهي لم تفعل. ونُشرت نسخة له مع الصوت، لكن بعد أشهر، سرّبها على الأرجح عنصر أمن، وظهر فيها رجب وهو يخاطب شرطياً «لماذا تضرب؟ لماذا تضربني؟»، وكرّر السؤال أكثر من مرّة.

إلى هنا وتنتهي القصّة. غير أن القصّة الحقيقية ليست هنا، إنما في ردود الفعل التي أطلقها قول الوزارة إنها وجدت رجب «مستلقي»، فقد تلقفها الشباب على «هاشتاغ» #mustal8y، وصنعوا منها، ومشتقاتها «عبرة»، أي هزءاً.

أستطيع القول إن «مستلقي» بلا هذه الحادثة، لفظ محايد، وكلّ لفظ ما لم يُوضع في سياق. وقد عدت إلى قواميس اللغة، فلم أجد في جذر الكلمة أو مشتقاتها أي شيء يفيد النكتة، فالاستلقاء يكون على القفا، «وكلُّ شيء كان فيه كالانْبِطاح فيه اسْتِلقاء». هذا ما يقوله ابن منظور في لسان العرب، وما يقوله أبناء 14فبراير (شباط) شيء آخر.

فقد كتب أحدهم ساخراً «الجميع في كوستا مستلقي والإسعاف لا يكفي الجميع.. أنقذنا يا نبيل رجب». وأراد آخر السخرية أيضاً فنشر هذا الإعلان «هل تشعر بوعكة صحية ولا تستطيع الاتصال بالإسعاف؟ لا تقلق، فالداخلية في خدمتك. فقط استلق في الشارع وسيتم نقلك للمستشفى».

واختار الصحفي فيصل هيات أن يعمل منها فيلسوفاً، فقال «ثمة تسلّق وثمة استلقاء».

الشعراء أدلوا بدلوهم أيضاً، وقد عثرت على أبيات موزونة لشاعر بحريني اسمه علي عبدالوهاب البقالي، طلب فيها منحه الحرية كي يستلقي على هواه في الرّمل أو الماء:

دعني أمارس لحظة استلقاءِ/ في الرّمل أو في الطين أو في الماءِ

هذا هواي وهذه حريتي/ لن تستطيعوا الآن جرّ ردائي

القصيدة طويلة، غير أن البقالي ينهيها بالقول:

إن كنت ترغب أن تزور عيادة/ فاستلقِ في دلعٍ وفي استحياءِ

ووجدت قصيدة أخرى من التفعيلة لكاتبة اسمها زينب الدرازي، تقول فيها: إذا شعرتَ بالتعبْ/ أمرُ العلاجِ قد صعُبْ/ وذا الطريق يشقي/ لدي بشرى من ذهبْ/ في وطني حيث الأدبْ/ عليك أن تستلقي.

ويبدو أن جعل الاستلقاء رديفاً لطلب النجدة، قد راق للكثيرين، فقد كتب مغرّد «عاجل: تغيير رقم الإسعاف من 999 إلى استلق استلق استلق». فيما علق آخر على خبر يتحدث عن إصابة شاب «خله يستلقي بودّونا السلمانية»، أي دعه يستلقي وسيأتي من يأخذه إلى مستشفى السلمانية.

ورجى أحدهم «وزارة الداخلية إصدار بيان تفصيلي توضح فيه الكيفية التي يجب أن يسلتقي فيها الناس ليؤخذوا للمستشفى. وشكرا للداخلية».

وكتبتُ مازحاً عن جعل «السُّلقاء عليكم» بديلاً عن السلام عليكم للتحيّة، جامعاً بين السلام والاستلقاء، فأجابتني شاعرة «وعليكم السُّلقاء».

من «مستلقي» أيضاً، اشتُقّ هذا الشعار: «والله لا أبالي/ أنا المستلقي التالي»، وهو مأخوذ من شعار آخر يقول «أنا الشهيد التالي». كما وُضعت «استلقاء تايم» بموازاة «التايم لاين»، لولا أنها إيذان بالنوم.

أحد المغرّدين وجد أن للاستلقاء ضريبة، فهو كلّف نبيل رجب ضرباً موجعاً وكدمات، فكتب ناصحاً «أي مواطن يستلقي على الأرض سيعاقب باللّكم والضرب من قبل قوات الأمن، فالرجاء من الجميع النوم بالواقف للحفاظ على سلامتكم». واستحسن آخر الفكرة، فعلق «بلا استلقاء بلا خرابيط، الليلة ناموا واقفين مثل الخيول».

ورافق مسئول قسم الرصد بمركز البحرين لحقوق الإنسان يوسف المحافظة مرّة نبيل رجب إلى التحقيقات الجنائية فلم يسمح له الدخول، فترك هذه التغريدة «أنا لم يتم إدخالي. سأستلقي في كوستا العدلية». فيما اقترح أحدهم حلاً نهائياً لكل القصة: «أودّ دعوة ملك البلاد للاستلقاء معاً والتباحث في شأن نبيل رجب».

هذه عينة احتفظت بها لتعليقات تشرح الكيفية التي قابل بها الشباب بيان «الداخلية»، وعندي العشرات مثلها، لولا أني وجدت أن القصة أكبر. فهي انتقلت لتصبح نوعاً من التمثيل أقرب لما يُعرف بمسرح الشارع، للسخرية من الشرطة.

وقد شاهدت فيديوهات تصوّر عمليات «استلقاء» كثيرة نفّذها محتجّون أثناء التظاهرات وبعدها. كما عثرت على صفحة في «فايسبوك» عنوانها «ابتعدوا سوف أستلقي» توثق صوراً لمستلقين ومستلقيات، بوضعيّات مختلفة، كلها للضحك. وقد أخذتُ  منها كثيراً من الصور في الأسفل. وفيها صورة تظهر رئيسة تمريض الطواريء، رولا الصفّار، قد راق لها «الاستلقاء» فأعطت قفاها للأرض، وأوعزت إلى من يصوّر.

وأخرى، لكن هذا المرّة من القطيف بالسعودية، حيث وصلت حمّى الاستلقاء، وكانت لشبان ملثمين «مستلقين» في الشارع وهم يرفعون شارة النصر. وقد علّق بحرينيون تحت الصورة: «شباب القطيف مُستلق. قلب واحد. صمود».

أكتفي بذلك، وأختم بالقول إن كلّ ذلك من فضل «جحا» وزارة الداخلية، فلولاه مات الثّوار غمّاً، وآمل أنني أثبتّ عودته بعد أربعة عشر قرناً من وفاة دجين بن ثابت الفزاري الذي عاش في الدولة الأموية، ويقول مؤرّخون إن أقدم قصص «جحا» في ثقافتنا تعود له.

سأعود لتوثيق أخوات «مستلقي»، وكل الصيغ اللفظية التي ابتُكرت خلال ثورة 14 فبراير (شباط)، أو استُثمرت لخدمة أوضاع مخصوصة. لكن في حلقات أخرى تحت عنوان #معجم_14_فبراير. فقناعتي أن لدينا قصّة، ويجب أن نكتب هوامشها.

| «مستلقي» وأخواتها «1»

أكتوبر 8, 2012 الساعة 11:19 م | أرسلت فى Discussion | 7 تعليقات

نبيل رجب: إنّا لكم لمستلقون!

دعوتُ الأسبوع قبل الماضي متابعيّ في «تويتر» إلى الكتابة على «هاشتاغ» #معجم_14_فبراير، وكانت نيّتي إحصاء الصيغ اللفظية التي ابتُكرت خلال ثورة 14 فبراير (شباط)، أو استُثمرت لخدمة أوضاع مخصوصة. وقد وجدت بين يديّ في ساعات عشرات الصيغ التي تبرّع لي بها متابعون، وكانت بين كلمة وجملة.

أزعم أن 14 فبراير (شباط) ليس حدثاً عادياً، إذا لم يكن زلزالاً من النوع الذي يحدث مرّة واحدة في القرن. وهو حدث يدور في الساحات، لكنه يدور في اللغة أيضاً. وأعتمد في هذا الزعم على عبدالهادي خلف، فهو عالم اجتماع، ومؤرّخ يمتلك أرشيفاً يرصد دبيب النمل في السكّة.

وهو قال لي في لقاء العام الماضي 2011، إن الحدث الذي نعاصره منذ ما يزيد على السنة والنصف لم يشهد جيله أو من قبله، مثيلاً له. نفس الكلام سمعته بعبارات أخرى من حسن مدن، أمين عام المنبر التقدمي السابق في «الدوّار».

أنا أصغر من الاثنين بثلاثة عقود، وقد عاصرت في عمري انتفاضتين شعبيتين، التسعينات و14 فبراير (شباط)، وأوافقهما على أن الحدث الذي نعاصره بلا مثال سابق. وأستطيع أن أتحدث عن التسعينات، فقد عايشتها وأنا مراهق في المدرسة، ثم وضعت لاحقاً وزملاء قصتها في كتاب.

وأكتفي بالإشارة إلى وجود «تويتر» بيننا، بينما كان يحتاج النشطاء في التسعينات الذهاب إلى السعودية لإرسال «فاكس» إلى لندن!

زرت مقرّ «تويتر» في كاليفورنيا بالولايات المتحدة 2010، ضمن برنامج «إدوارد مور»، مع صحفيين من كلّ العالم. فالتقينا بمديريه، وحاورناهم، ولم يكن في حسابي وقتئذ غير ثمانيّ تغريدات. ووجدت بيننا من كان وضعه أسوأ مني، حتى أنه سأل مديريه عن كيفية إنشاء حساب.

السائل عربي منّا، لكن يخطيء من يتخيل أن ذلك أمر يخص العرب. وعندي مثال من سويسرا، فقد التقيت بشباب وشابات لا يدرون ما إذا كان «تويتر» اسم كوكب درّي أو طبخة، فيما احتجت أن أوضح لأحدهم ما الذي يعنيه، وأنا أحدثه عن مزاياه في ثورتنا. لكن بالطبع، فأغلبهم لديه حساب على… «فايسبوك».

أنشأت حسابي في العام 2009 تزامناً مع «الحركة الخضراء» في إيران التي أيّدتها، ولم أعرفْ له فتركته. ويذكر أصدقائي أن ذلك كان في سياق جدالي الدائم معهم، فأنا لم أكن مقتنعاً بما كانت تجري الدعاية له آنئذ بشأن خوارق «تويتر»، أو قدرته على إخراج الناس في ثورة.

وكنت أرى أن الواقع، أو الأرض التي تجري عليها دراما الأحداث، هي المرجع الأساس. ودائماً ما رددت كلام مالك بن نبي حول «القابلية للاستعمار»، وقوله «إن الاستعمار قد جاء إلى العالم الإسلامى نتيجة مرض أساسي عندنا، وهو القابليّة له». وليس نتيجة مرض عندهم، أي الغرب و«تويتر» و«فايسبوك».

وأنا لا أعتقد أن هناك مرضاً أكثر من الاستبداد قادر على أن يخلق قابلية للثورة أو الاستعمار.

وجاء 14 فبراير/ شباط، فعدت لتفعيل حسابي بعد أيام من اندلاع الأحداث، عملاً بنصيحة أسداها لي  صحافي لبناني صديق، هو داوود إبراهيم، لأجد نفسي وغيري في قلب إمبراطورية «تويتر».

لا أريد مواصلة الإبهار بـ«تويتر» و«فايسبوك»، وقناعتي أن الوعي بهما صار عامياً، لكن عندي رأي، أن «تويتر» للأحداث الكبيرة، أما «فايسبوك» فللتفاصيل… الفرديّة. فمن لا يعيشون حدثاً كبيراً من النوع الذي قال عنه عبدالهادي خلف «لم يعاصره جيلي أو من قبلي»، ستظلّ معرفتهم بـ«تويتر» ناقصة.

وهو وسيلة تتيح التعرف على أكبر قدر من الآراء، لا سيّما حول الشأن العام، والتعليقات عليها، لكن ليس للحوار. وإذا وجد شيء يشبهه فهي تلك الحكمة التي تقول «قل كلمتك وامش»، غير أن المشي وحده لا يكفي كي يكون نهاية للقصة، بل إنها تبدأ بعد أن تقول كلمتك وتمشي، مع نشأة «المشاعر المتزامنة».

وهذا مصطلح للكاتب الموريتاني السيد ولد أباه، لذلك أقتبس منه الكلمات المفيدة التي قد تنفع لشرحه «ائتلافية الأهواء والأحاسيس التي وفرت للحركات الاحتجاجية فاعلية لا محدودة».

هذه خلاصة رأيي في شبكات التواصل الاجتماعي، وأعتبرها تقديماً لما بدأتُ به، وأعني الصيّغ اللفظية التي أتت بها ثورة 14 فبراير (شباط) بعد ثمانية عشر شهراً من الممارسة اللغوية اليومية، حيث أحصيت منها 30 كلمة وجملة، وكان «تويتر» النافذة الأولى لرواجها.

عشت كي أرى ولادة كل تلك الصيغ التي تبرع أصدقاء بتذكيري بها، غير أن إحداها عايشتها عن قرب، وهي «مستلقي». فقد كنت حاضراً على «التايم لاين»، حين ألقت وزارة الداخلية عبر حسابها في «تويتر» بالكلمة في سوق التداول.

القصّة تبدأ بقيام عناصر من الشرطة بضرب الحقوقيّ نبيل رجب، وتكبيله ثم خطفه من إحدى المسيرات في العاصمة المنامة. ثم عادت بعد ساعات لتفرج عنه مع بيان على «تويتر» يقول إن رجالها وجدوه «مستلقٍ» على الرصيف أمام إحدى الساحات الخالية، وما فعلوه هو نقله إلى المستشفى.

وقد أطلق هذا البيان موجة عارمة من السخرية على شبكات التواصل استوحت جميعها كلمة «مستلقي» التي تحوّلت إلى «هاشتاغ» أيضاً. ومذْذاك صارت علامة. وقد شاركتُ  وغيري في ضخّ المعاني إليها. سأعود للكلام حول «مستلقي»، مع ذكر  بقية الصيغ الأخرى في مقام آخر، فللمقال تتمّة.

| صناعة الكذب: تحايلات المثقف ضد ثورة البحرين

أكتوبر 7, 2012 الساعة 6:04 م | أرسلت فى Discussion | أضف تعليقاً

– تلفزيون البحرين الرسمي  (1 مايو 2011)

في مايو (أيار) 2011، دعا تلفزيون البحرين الرسميّ إلى أحد برامجه، ثلاثة من أبرز ممثليّ الأدبية البحرينية الحديثة للتعليق على مواقف زملاء لهم ناصروا الاحتجاجات. كانت السلطات قد سحقت بقوة عسكرية قوامها خمسة آلاف جندي اعتصاماً دام شهراً وسط العاصمة المنامة. كما أزالت بالجرافات «دوار اللؤلؤة»، النصب الذي تحوّل إلى رمز للمحتجين شديد الإلهام.

لإكساب هذا العمل الدمويّ مشروعيته، لجأت السلطة إلى استعراض ولاءات مجموعات الضغط على المسرح.

سألت مقدمة البرنامج في لغة حرصت على أن تحقنها مسبقاً بالإدانة، عن الدوافع التي تدعو مثقفين إلى المشاركة في تظاهرات مناهضة للسلطة. ثم ثبّتت صورة على الشاشة تظهر أعضاءاً من «أسرة الأدباء والكتاب» جرى وشم وجوههم بدوائر صفراء، فيما كانوا يصطفّون في تظاهرة وراء يافطة كُتب عليها «نتضامن من أجل الحرية».

عند وضعه في سياق عصرنا، يبدو السؤال اليوم بالغ الرجعية. لكنه كان لغة الحوار على الشاشة الرسمية. يعرف البحرينيون، لكن ليسوا وحدهم، المغزى الذي عنته تلك الدوائر الصفراء، وهلة ظهورها على التلفزيون في فترة أطلقت فيها يد العسكر، بلا رادع.

هناك من وصفها، من دون أن يجانبه الصواب، والبرنامج الذي اختير له اسم لايخلو من مغزى هو الآخر: «الراصد»، بمحاكم التفتيش في القرون الوسطى.

إن اثنين من الأدباء في الأقل، ممن أظهرتهم الصور في البرنامج، موشومين بالدوائر الصّفْر، تمّ اقتيادهم بامتهان من أعمالهم، إلى غُرف مظلمة عُرّضوا فيها إلى التعذيب. كما جرى التحقيق في لجان خاصة مع عشرات  المثقفين والفنانين وتمت إقالتهم من وظائفهم لدواعي متصلة.

أمام إلحاح السؤال، تطوّع أحد الضيوف في البرنامج، وهو الشاعر إبراهيم بوهندي الذي شغل في وقت سابق رئاسة أسرة الأدباء، للإجابة. لفت نظر مقدمة البرنامج إلى أمر آية في التفاهة. قال «صورة اليافطة لاتحوي اسم أسرة الأدباء».

كان أحد شعارات المؤسسة التي أسهم في تأسيسها العام 1969 كأقدم كيان أدبي في البحرين والخليج، وعُرف بتمرّده على السلطات: «الكلمة من أجل الإنسان»، يُفترع أمامه طولاً وعرضاً. فيما بدا أن شاغله، هو ضمان سلامة عملية العرض.

إن الصورة لاتحوي «اسم أسرة الأدباء» التي لم يكن يشغل فيها أي منصب ساعتئذ. هذا كاف كي يطمئن.

حين أعادت مقدمة البرنامج عرض الصورة، مستخدمة خاصية التكبير «زوم»، جاء الأمر على خلاف ما تصور. بوغت لأن اليافطة كانت تحوي فعلاً اسم «الأسرة»، بلْه شعارها. وقد علق «إنه لم يلحظ ذلك». وراح يدلي بمطالعة ساذجة حول ضرورة إبعاد الأدب عن السياسة. ثم عاد كي يتساءل مرة ثانية «لماذا اسم أسرة الأدباء موجود؟».

يتبع…

مقال منشور في العدد الأخير من مجلة الآداب

لمواصلة القراءة يمكن تحميل الملف من هنا

| العازف الأسمر

أكتوبر 7, 2012 الساعة 12:34 م | أرسلت فى Profile | أضف تعليقاً

– ضاحي بن وليد

بدأ حياته ضارباً على آلة الإيقاع الموسومة بـ«المرواس»، ومنها اكتسب في أوليات تجربته الهوية المشتقة  التالية: «مروّس». لكنه لم يطل المكْث كثيراً. ففي ظرف بضع سنوات راح يطور هوية مغايرة سرعان ما توجته مطرباً وواحداً من أقطاب الطرب البحريني في النصف الأول من القرن العشرين؛ حتى مع المدى الزمني القصير الذي عاشه، ثلاثاً وأربعين سنة.
ثم على الوقع الأثير لجريان هذه الهوية المستجدة بنى مأثرته.

اليوم يقال المطرب أو الفنان ضاحي بن وليد، أو هكذا نعرفه، ولا يقال «المروّس».

رغم كل ذلك، فالرجل الأسمر أجدر الوجه، الذي يتحدر من جذر أب أفريقي ابتيع في مكة وجيء به إلى البحرين أواخر القرن التاسع عشر، وصاحب  دار الطرب الشعبية الواقعة في «جراندول» شمال المحرق المسماة «لبنان»، تبدو حياته أقرب شبها إلى «تكتيكات» عمل هذه الآلة الإيقاعية التي رافق بها أستاذه محمد بن فارس، الذي ينتسب إلى العائلة الحاكمة في البحرين، آل خليفة، والمملوك له، أكثر من حياة المطربين.

تتفق المراجع التاريخية على الإشارة إلى تشاركهما السفر إلى بغداد للتسجيل في استوديوهات شركة «هيز ماستر فويس» (1932). إلا أن أياً من هذه المراجع لم ينقل لنا أية إشارة ودية صريحة صدرت عن محمد حيال التلميذ.

ويبدو أنه كان أقرب إلى تلميذه الآخر محمد زويد (1900 – 1982) منه إلى ضاحي. على ما يمكن أن يستشف من ترشيحه الأخير للذهاب بمعية بعثة شركة «بيضافون» للتسجيل في بغداد (1929).

رغم أن مسحاً ميدانياً كانت قد أجرته الشركة بغية اكتشاف أصوات صالحة للتسجيل خلصت فيه، حسبما يفيد عبد الحسين الساعاتي، إلى صوتين فقط تنطبق عليهما المواصفات المنشودة، وهما محمد بن فارس وضاحي بن وليد.

وكان الأخير غائباً على متن إحدى سفن الغوص، ما جعل زويد يفوز بقصب السبق كأول شخص يطرح أغانيه من خلال أسطوانات سهلة التداول.

إحدى أكثر الوصمات التي التصقت باسم ضاحي هو كونه ولد من أب ينتمي إلى فئة «العبيد»، ما أكسبه صفة «العبد» هو الآخر بالمصاحبة.

لا تذكر أي من المصادر التي صادفناها، السنة التي يحتمل أن يكون قد جيء فيها بوالده من مكة. ويتم الاكتفاء بالقول إن ذلك قد تم في خلال موسم الحج. وأن من ابتاعته هي عائشة بنت محمد آل خليفة (ت 1947) زوجة عيسى بن علي آل خليفة (1869 – 1932) حاكم البحرين وقتذاك.

إلا أننا نرجح أن ذلك قد حصل قبل نحو عقد من ولادة ضاحي أي في حدود العام 1889. وذلك اعتماداً على تأوّلنا إلى إشارة يوردها لوريمر في كتابه «دليل الخليج» الذي أعده بطلب من حكومة الهند البريطانية وقد زار البحرين بغرض إنجاز هذه المهمة في الفترة ما بين سنة (1903- 1905)، وهي تفيد بعض المعطيات بشأن حركة جلب العبيد من مكة في تلك الفترة.

فيقول «في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1889 ذكر وكيل المقيم البريطاني في البحرين أن رقيقاً أكثر من المعتاد قد أحضروا إلى البحرين مع الحجاج العائدين من مكة».

على حين أن ذلك كذلك، تصب إجابات جميع المراجع التي استوضحناها في اتجاه أن ضاحي، حتى الساعة التي توفي فيها، قد ظل خادماً، فلم يُسمع عنه بعتقه. على رغم من أن المرحلة التي عاش فيها (1898 -1941) قد شهدت تحرير كثير من العبيد.

يذكر لوريمر أن «حركة التحرير بين الرقيق في البحرين بلغت في ذلك الوقت نسبة كبيرة».

في الواقع، تعود أولى المحاولات الجدية لتحرير العبيد إلى العام 1895، العام  السابق لولادة ضاحي بنحو ثلاث سنوات، حين حصل قائد سفينة صاحب الجلالة «بيجون» على تصديق من حاكم البحرين عبارة عن وعد غير رسمي قطعه بعض زعماء البحرين «بأنهم لن يبيعوا أو يشتروا أو يتعاملوا بالرقيق في المستقبل».

ويقول لوريمر «إن هذه المحاولات لم يكن لها أثر يذكر». وذلك إلى أن فوّض الوكيل السياسي في العام 1905 بإعتاق «العبيد كلما وجد فرصة مناسبة لهذا الإجراء دون الرجوع إلى المقيم العام في بوشهر».

وبشأن ضاحي لحظنا أنه يجري تخفيف الأمر من قبل من أرّخوا لفناني الصوت بالقول إنه لم يكن عبداً بمعنى المسترقّ. فقد كان يتمتع بحرية نسبية في الحركة لم تعرف عن الرقيق.

في الحقيقة، إن تخيله مالكاً لدار شعبية تقدم فنوناً تعد عهدذاك ممنوعة أو محرمة، وسفره إلى بغداد وحاضرة الشام للتسجيل يدعو إلى تصديق ذلك.

وربما السبب الكامن في ذلك ما يشدد عليه العماري من أن «عبيد الشيوخ» يتمتعون بصفة اجتماعية أرقى من عبيد الناس العاديين.

ويبدو أن هذا الرأي أقوى من الرأي الذي يسوقه إبراهيم حبيب حين يرد الأمر إلى «تمكن قيم الإسلام».

الشيء الذي يدعمه  كلام لوريمر نفسه حين ينقل على لسان أحد الملازمين البريطانيين ممن التقاهم في أثناء عمله في البحرين، قوله إن «الخدم والعبيد [كانوا] يشغلون وظائف لا تكون إلا للشيوخ فقط».

مقال منشور في مجلة «الثقافة الشعبية»

لمواصلة القراءة من هنا

الصفحة التالية «

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.